المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحداء: أغنية الراعي وأرجوزة المقاتل وسلوة المسافر


هاجوس
06-08-2008, 11:02 PM
«الحداء»....

أغنية راعي الإبل، وهو يسوقها إلى المراعي العشيبة، ويرشدها إلى الموارد العذبة، ويحثها على الإسراع،..

وهو سلوة المسافر في وحدته وسط المفازات الواسعة..

وهو «زاد الركب».. في هدأة الصحراء، وأغنيتهم الشجية..

وهو أرجوزة المقاتل في ساحات الوغى، وحين البأس!!

هكذا بدأ الحداء رحلته في أدبنا العربي، واستمر حتى يومنا هذا.. فتياً.. غضاً، وإن تعددت أنواعه، وتنوعت أغراضه، وتمازجت صنوفه.

وهو أهزوجة الفرسان على صهوات خيلهم، وأغنيتهم النافرة بالحماس والرجولة، وحكاية الدم والقتام، وشرارة التزاوج بين السنابك والصفا..

هكذا.. أصبح تعريفه في عهود البداوة الأخيرة.

«الحداء»......

النمط الشعري الوارف الألوف الذي أعاد الشعر إلى ثوبه الفضفاض، وشروطه المتساهلة، وحضنه الواسع، فأنشده حتى من لم يكن يهتم بقول الشعر، ومن لا يتقنه!

الحداء الرجز.. لغة واصطلاحاً:

من المعتقد أن الحداء هو أول ما عرف العرب من الشعر، وأن غناءه هو أول عرفوا من الغناء!!

ولعل بساطة موسيقى الحداء، وسهولة نظمه، وتعالقه الواضح ببحر الرجز أسهل البحور الشعرية، وأكثرها اضطراباً، وارتباطه اللصيق بتفعيلة «مستفعلن» أكثر تفعيلات العروض زحافات وعللاً... هو ما جعلهم يذهبون إلى هذا الرأي، فالبدايات عادة ما تكون سهلة، ومضطربة، وبسيطة.

وذكر الخليل في معجم «العين»:

«حَدا يحدو حَدْوا، وأعرفه حُداءً – ممدود - إذا رَجَز الحادي خلف الإبل، وحَدَا يَحْدُو حَدْواً.. إذا َتِبع شيئاً».

وكان العرب قديماً فيما يبدو لا يعدّون «الرجز» من فنون القصيد الخاصة بالمحترفين لقرض الشعر كالكامل والبسيط والطويل، وكانوا يفرقون بين القريض «القصيد» وبين الرجز كما في قول الأغلب العجلي:

أرجزاً.. تريد أم قصيدا؟

لقد طلبتَ.. هيّناً.. موجودا

وواضح أن بحر الرجز كان هو الغالب في نظم شعر الحداء منذ الجاهلية، وبطريقة مقاربة للتي كانت سائدة في بادية الجزيرة العربية حتى وقت قريب، فينقل صاحب كتاب الأغاني عن ابن حبيب قوله: «كانت العرب تقول الرجز في الحرب، والحداء، والمفاخرة، وما جرى هذا المجرى».

و«الرجز» بحر يعتمد لبنة «مستفعلن» وحدة لبنائه، ولسهولة هذا البحر الذي سموه قديماً «حمار الشعراء»، ولكثرة العبارات التي يمكن قولبتها من خلاله صار هذا البحر شائع الاستخدام حتى ذكروا أن قائل الرجز لا يعد شاعراً إن هو اكتفى بالبيت والبيتين، ويكفينا مثالاً على ذلك أن قاله من لم يعلمه الله الشعر وما ينبغي له «صلى الله عليه وسلم»، وذلك يوم حنين حيث قال من مجزوء الرجز:

أنا النبيّ لا كذب

أنا ابن «عبد المطلب»

وتجدر الإشارة هنا إلى ما ذكره جرجي زيدان في تاريخ الآداب من أن حداة الإبل كان عندهم ضربان من الرجز، والأول هو «المشطور»، ويكون لمشي الجمال الهوينا كما في قول أحدهم:

دع المطايا تنسمُ الجنوبا

إنّ لها لنبأً عجيبا

والثاني هو «المنهوك» إذا أراد الحادي أن تسرع الجمال في السير، ومنه قول أحدهم:

أعطيته.. ما سألا

حكّمته.. لو عدلا

قلبي به.. في شغلٍ

لا ملّ ذاك الشغلا

نشأة الحداء:

يتفق مؤرخو الأدب على حكاية أسطورية بدأ معها الحداء، وتناقلها العرب قبل الإسلام، ووردت في أثر نسب للنبي «صلى الله عليه وسلم» نصه:

«بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ سمع صوت حاد, فسار حتى أتاهم: فقال: من القوم?

قالوا: مضريون.

فقال «صلى الله عليه وسلم»: وأنا مضري.

فقالوا: يا رسول الله إنّا أول من حدا.. بينما رجل في سفر، فضرب غلاما له على يده بعصا، فانكسرت يده, فجعل الغلام يقول، وهو يسير الإبل: وا يداه وا يداه!، وقال: هيبا هيبا, فسارت الإبل».

وذكر الحافظ ابن كثير في «البداية» عن علماء التاريخ أنهم قالوا: «كان مضر أول من حدا, وذلك لأنه كان حسن الصوت, فسقط يوما عن بعيره, فوثبت يده, فجعل يقول: وا يداه وا يداه, فأعنقت الإبل لذلك».

· الحداء من الوجهة الشرعية:

الحداء... سواء كان للإبل أو للخيل هو شعر يرفع ناظمه صوته به منشداً لتسلية نفسه ورفاقه أو حث دابته على المسير أو بث الحماس خلال القتال، ولذا فلا شبهة لتحريمه أصلاً حيث لا آلة موسيقية تصاحبه، والآثار الصحيحة الواردة في البخاري وغيره تدل على أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان يستمع للحداء، ولا ينكره بل كان يحث عليه.

وقد ذكر السفاريني في «غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب»:

«المذهب الإباحة من غير كراهة لما تظافرت به الأخبار، وتظاهرت به الآثار من إنشاد الأشعار, والحداء في الأسفار، وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على إباحة الحداء».

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري:

»نقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة إشعار بنقل خلاف فيه، ومانعه محجوج بالأحاديث الصحيحة، ويلتحق بالحداء غناء الحجيج المشتمل على التشوّق إلى الحج بذكر الكعبة، وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد.

وإذا كانت الأقوال السابقة تتحدث عن حداء الإبل المشابه لما كان يعرفه البدو الأواخر بالهجيني، فإنه يشمل بالضرورة حداء الفرسان على صهوات خيولهم بالإباحة، وإن احتوت الأحديات على ما يخالف الشرع من مفردات، فهذا لا يتعلق بالحداء نفسه بل يتصل بالكلام وحصائد اللسان من حيث الحرمة والحل.

· حداء الإبل والرجز في العصر الجاهلي:

بدأ الحداء في فلوات البادية، وهو «اكتشاف» عربي مضري كما وردت عن ذلك الأخبار، وكان وجود الحادي من أساسيات القوافل المرتحلة في الصحراء، وأهم أدوات الرعاة الحاذقين، وأجمل فنون الغزاة المحاربين.

ويلاحظ أن الحداء يختلط في فهمنا مع الرجز نظراً للتلاصق بينهما في حداء العرب الأواخر، فقد كان الرجز يقوم بالوظائف الحماسية التي اختص بها حداء الخيل في العصور القريبة.

ومن الأمثلة المشهورة في هذا السياق أرجوزة «بنات طارق» التي قالتها بنات العلاء بن طارق الكناني، وكان يضرب بهن المثل في الحسن والشرف، وكنّ يخرجن في حروب قومهن في الجاهلية، ويغنين:

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

والدرّ.. في المخانق

والمسك.. في المفارق

إن تقبلوا.. نعانق

أو تدبروا.. نفارق

فراق غير وامق

وبلغت هذه الأهزوجة شهرة كبيرة حتى أن هند بنت عتبة «رضي الله عنها» قبل إسلامها كانت تحمس جيش الكفار في غزوة احد في نساء من قريش بأهزوجة بنات طارق.

ومن رجز الفرسان ما قاله جحدر البكري يوم التحالق بين بكر وتغلب:

ردّوا عليّ الخيل إن ألمّتِ

إن لم أقاتلهم، فجزّوا لمّتي

ومثله أيضاً ما ينسب لعبد المطلب جد النبي «صلى الله عليه وسلم» يوم الفيل يدعو ربه:

يا ربُّ.. لا أرجو لهم سواكا

يا ربّ، فامنع منهمو.. حماكا

إن عدوّ البيت من عاداكا

فامنعهمو.. أن يخربوا قراكا

ومن الرجز الجاهلي ما قاله رشيد بن رميض العنزي، ونسبت لأرجوزة أيضاً للأخنس بن شهاب التغلبي، واستشهد بها الحجاج بن يوسف في خطبته الشهيرة، وفيها يقول المرتجز:

هذا أوان الشدّ.. فاشتدّي زيم

قد لفّها الليل.. بسوّاقٍ حطم

ليس براعي إبلٍ.. ولا غنم

ولا بجزّارٍ.. على ظهر وضم

ومثله قول معاوية بن عبادة بن عقيل يرتجز وهو يقاتل يوم شعب جبلة:

أنا الغلام الأعسر

الخير فيّ.. والشر

والشرّ فيّ.. أكثر!!

ومن الرجز الجميل في الجاهلية قول حاتم الطائي لمملوكه في ليلة شاتية يأمره بإيقاد النار:

أوقد فإن الليل ليل قر

والريح يا واقد ريح صر

عسى يرى نارك من يمر

إن جلبت ضيفاً فأنت حر

حداء الإبل والرجز في العهد النبوي

كان النبي «صلى الله عليه وسلم» قد أقرّ العرب على حداء إبلهم، وأرجوزاتهم يوم الحرب، وذلك بأدلة لا يخالطها الشك، فقد ثبت من أنس رضي الله عنه أن النبي كان يُحدى له في السفر, وأن أنجشة، وهو مملوك أسود كان يحدو بالنساء، والبراء بن مالك يحدو بالرجال.

وروى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحاديه – الذي يحدو، ويُنشد بصوت حسَن: «ويحك يا أنجشة!.. رويدك سوقك بالقوارير».

كما كان عامر بن الأكوع ممن يُنشد بين يدي النبي «صلى الله عليه وسلم» بل كان بعض أصحاب النبي «صلى الله عليه وسلم» يطلب منه سماع ذلك في السفر.

وروى الإمام البخاري أن سلمة بن الأكوع قال:

خرجنا مع رسول الله إلى خيبر، فسرنا ليلاً.

فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك؟

وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم يقول:

اللهم لولا أنت.. ما اهتدينا

فاغفر.. فداء لك ما اقتفينا

وألقين سكينة علينا

ولا تصدّقنا.. ولا صلّينا

وثبّت الأقدام إن لاقينا

إنا إذا صيح بنا.. أتينا

وبالصياح.. عوّلوا علينا

وجاء في كتب السيرة أن الأنصار كانوا يوم الخندق يرتجزون قائلاً:

نحن الذين بايعوا «محمدا»

على الجهاد.. ما حيينا أبدا

وفي يوم بدر ألقى عمير بن الجموح الأنصاري ‏تمرات كن من يده، وأخذ السيف فقاتل القوم حتى استشهد، وكان يرتجز يومئذ قائلاً:

ركضاً إلى الله.. بغير زاد

إلاّ التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

إنّ التقى من أعظم السداد

وخير ما قاد إلى الرشاد

وكل حيٍّ.. فإلى نفاد

ومثله رجز أبي دجانة الأنصاري حين أعطاه رسول الله سيفه يوم أحد، وقال‏:‏ «من يأخذ هذا السيف بحقه؟»، فأحجم القوم، فقال أبو دجانة‏:‏ «أنا آخذه بحقه»، فدفعه رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إليه، ففلق به هام المشركين، وقال في ذلك‏:‏

أنا الذي عاهدني خليلي

ونحن بالسفح.. لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيول

أضرب بسيف الله والرسول

ومن الرجز المشهور يوم مؤتة أن قائد الجيش جعفر بن أبي طالب «رضي الله عنه» تقدم لقتال الروم، وهو يرتجز:

يا حبذا الجنة.. واقترابها

طيبةً.. وبارداً شرابها

والروم.. رومٌ.. قد دنا عذابها

كافرةٌ.. بعيدةٌ أنسابها

عليَّ إذ لاقيتها.. ضرابها

ثم تقدم عبد الله بن رواحة بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة قال يخاطب نفسه‏ متأسياً بما فعل صاحبيه الشهيدين زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب:‏‏

يا نفس.. إلاّ تقتلي تموتي

هذا حياض الموت.. قد صليتِ

وما تمنّيت، فقد لقيتِ

إن تفعلي فعلهما.. هديتِ

وإن تأخرت، فقد شقيتِ

ثم قال‏:

أقسمت يا نفس لتنزلنًه

لتنزلنًه أو لتكرهنّه

ما لي أراك تكرهين الجنة

فطالما قد كنت مطمئنّه

هل أنت إلا نطفةٌ في شنّه

قد أجلب الناس، وشدوا الرّنّة

ومن أشهر الأراجيز في العهد النبوي قول حمل بن سعدانة:

لبّث قليلاً.. يلحق الهيجا «حمل»

لا بأس بالموت إذا حان الأجل

وقد تمثل بقوله سعد بن معاذ يوم الخندق، وكان حمل معدود من الصحابة أيضاً.

ومن الأراجيز المشهورة أيضاً:

هل أنتِ إلاّ إصبع دميتِ؟

وفى سبيل الله ما لقيتِ

ونسبت لغير واحد من الصحابة، وتمثلوا بها في أكثر من موقف.

ومن الرجز المشهور قول الصحابة حين رأوا النبي يعمل بيديه في بناء المسجد النبوي:

لئن قعدنا، والنبي يعمل

لذاك منا العمل المضلّل

وارتجز المسلمون، وهم يبنون المسجد يقولون:

لاهمّ.. إنّ العيش.. عيش الآخرة

اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة

فكان رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يقول معهم: «لا عيش إلاّ عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار».

حداء الإبل والرجز في العصر الراشدي:

واستمر الحداء في العصور التي تلت النبي «صلى الله عليه وسلم»، واستمر الرجز في الفتوحات والمعارك الكثيرة التي خاضها المسلمون، وفي الفتن الكثيرة التي حدثت بينهم.

ونبدأ مع مثال اجتماعي للرجز حين وقف أعرابي على عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» إبان خلافته، فقال‏:‏

يا عمر الخير.. جزيت الجنة

جهّز بنيّاتي.. وإكسهنّه

أقسم بالله.. لتفعلنّه

قال‏:‏ فإن لم أفعل.. يكون ماذا.. يا أعرابي?

قال‏:‏

أقسم بالله.. لأمضينّه‏

قال‏:‏ فإن مضيت.. يكون ماذا.. يا أعرابي?

قال‏:‏

والله عن حالي لتسألنّه

ثم تكون المسألات عنّه

والواقف المسئول بينهنّه

إما إلى نار.. وإما جنّة

فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال‏:‏ «يا غلام، أعطه قميصي هذا.. لذلك اليوم.. لا لشعره، والله ما أملك قميصاً غيره‏»‏‏.

وكان عليّ بن أبي طالب «رضي الله عنه» إذا سار بأرض الكوفة يرتجز ويقول:

يا حبذا السير بأرض الكوفة

أرضٍ سواءٍ سَهْلة مَعروفه

تعرفها جِمالنا المعلوفة

وكان عبد الله بن عباس «رضي الله عنه» في طريقه من البصرة إلى مكة يحدو الإبل ويقول:

أُولى إلى أهلك يا ربَابُ

أُولى فقد هان لك الإيابُ

وكان عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» يقول في بعض ما يَرتجز به من شعر:

إليك تَعدو قَلِقاً وَضينُها

مخالِفاً دينَ النصارى دينُها

ومن الأمثلة الحماسية للأراجيز في أيام الفتنة ما روي عن حكيم بن جبلة العبدي، والذي قاتل يوم الجمل في سبعمائة رجل من ربيعة، فقاتلهم حتى أخرجهم من قصر الإمارة، ولم يزل يقاتلهم حتى قطعت رجله، فأخذها، وضرب بها الذي قطعها، فقتلته، ولم يزل يقاتل ورجله مقطوعة، وهو يرتجز‏:‏

يا ساق.. لن تراعي

إنّ معي ذراعي

أحمي بها كراعي

حتى نزفه الدم، فاتكأ على الرجل الذي قطع رجله، وهو قتيل، فقال له قائل‏:‏ من فعل بك هذا‏؟‏ قال‏:‏ وسادتي‏!!

فما رئي أشجع منه، ثم قتله سحيم الحداني‏.‏

حداء الإبل والرجز في العصر الأموي

واستمر الحداء والرجز في العصر الأموي، ومن الرجز المشهور يوم كربلاء قول علي الأكبر بن الحسين «رضي الله عنهما»، وكان يضرب بالسيف بين يدي أبيه، وهو يرتجز:

أنا عليّ بن الحسين بن عليّ

أنا ورب البيت أولى بالنبيّ

من شمر وشيت وابن الدعيّ

ألا تروني كيف أحمى عن أبي

فقاتل حتى استشهد هو وأبوه الحسين بن علي.

وفي حروب الخوارج برزت منهم امرأة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجهاً، وخطبها جماعة منهم فردتهم، وكانت في الحرب تحمل على الناس، وتقول مرتجزة:

أحمل رأساً قد سئمت حمله

وقد مللت دهنه وغسله

ألا فتى يحمل عني ثقله؟؟

وهم يفدونها بالآباء والأمهات.

ومن حكايات حداء الإبل في ذلك العهد ما رواه ابن واصل الحموي في «تجريد الأغاني» من أن عائشة بنت طلحة حجت ذات سنة، وحجت في تلك السنة أيضاً سكينة بنت الحسين بن على، وكانت ضرتها عند مصعب بن الزبير، وكانت عائشة أحسن منها ثقلا وآلة، فقال حاديها:

عائش.. يا ذات البغال الستين

لازلت ما عشت.. كذا تحجّين

وشق ذلك على سكينة، فنزل حاديها، فقال:

عائش.. هذى ضرةٌ تشكوكِ

لولا أبوها.. ما اهتدى أبوكِ

فأمرت عائشة حاديها أن يكف.

ومن حوادث الخلفاء الأمويين مع الحداء ما حدث عندما خرج علي بن عبد الله بن العباس بابن عمه الفضل اللهبي إلى عبد الملك بن مروان بالشام، فخرج عبد الملك يوماً رائحاً على نجيب له، ومعه بغلة تجنب، فحدا حادي عبد الملك به، فقال:

يا أيها البكر الذي أراكا

عليك سهل الأرض في ممشاكا

ويلك هل تعلم من علاكا

إن «ابن مروان» على ذراكا

خليفة الله الذي امتطاكا

لم يعل بكرا مثل من علاكا

فعارضه الفضل اللهبي، فحدا بعلي بن عبد الله بن عباس، فقال:

يا أيها السائل عن «عليّ»

سألت عن بدر لنا.. بدريّ

أغلب في العلياء غالبيّ

وليّن الشمسة هاشميّ

جاء على بكرٍ.. له مهريّ

فنظر عبد الملك إلى علي فقال: أهذا مجنون آل أبي لهب?. قال: نعم، فلما أعطى قريشا مر به اسمه، فحرمه، وقال: يعطيه علي!!

ومن أحاديث ترقيص الأطفال في تلك الفترة ما روي أنه كان لأعرابي امرأتان، فولدت أحداهما جارية، والأخرى غلام، فرقصت أم الغلام ولدها يوماً، وقالت معايرة لضرتها:

الحمد لله الحميد العالي

أنقذني العام من الجواري

من كل شوهاء كشنٍّ بالي

لا تدفع الضيم عن العيالي

فسمعتها ضرتها، فأقبلت ترقّص ابنتها، وتقول:

وما عليّ أن تكون جارية

تغسل راسي وتكون الفالية

وترفع الساقط من خماريه

حتى إذا ما بلغت من ثمانية

أزرتها بنقبةٍ يمانية

أنكحتها» مروان «أو «معاوية»

أصهار صدقٍ.. ومهور غالية

فسمعها مروان، وتزوجها على مائة ألف مثقال، وقال: «إن أمها جديرة أن لا يكذب ظنها، ولا يخان عهدها»، فقال معاوية: «لولا مروان سبقني إليها لأضعفنا المهر، ولكن لا تحرم الصلة، فبعث إليها بمائتي ألف درهم».

حداء الإبل والرجز في العصر العباسي وما بعده:

وما اشتهر حادٍ في صدر الإسلام مثل «سلام الحادي» يضرب المثل بحدائه، وكان من خاصة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية ، فلما جاءت الدولة العباسية جيء به إلى المنصور ضمن حاشية مروان، فهم بقتله، فقال سلام: «استبقني يا أمير المؤمنين، فإني أحسن الحداء».

قال: «وما بلغ من حدائك؟».

قال: «تعمد إلى إبل، فتظمئها ثلاثة أيام ثم توردها الماء، فإذا بدأت تشرب رفعت صوتي بالحداء، فترفع رؤوسها، وتدع الشرب ثم لا تشرب حتى أسكت».

فأمر المنصور بإبل، ففعل بها ذلك، فكان الأمر كما قال، فاستبقاه وأجازه، وأجرى عليه.

وفي أواخر العصر العباسي نذكر هنا ما قاله أبو العلاء المعري المتوفى 449هـ عن أعراب زمانه: «لقد تبعتهم تارات في الظعن، وشاهدتهم إذا اجرهد السير، وترجل النهار، وتجاوبت الحداة من كل أوب.. لا يعرفون غير هذين البيتين يكررونهما تكرير النفس:

يا حُلْوَةَ العَيْنين في النِّقابِ

لا تَحْبِسيني.. قد مضى أَصحابي

وفي العصر العباسي دخل الرجز مجالاً جديداً من خلال ولوجه بوابة التعليم، فعندما اكتشف العلماء سهولة هذا البحر، ومقاربته في السلاسة للكلام العادي، وكثرة زحافاته وعلله مما مكن من جعله قالباً لما يريدون من كلام استخدموه في تأليف منظومات شعرية عرفت بالأرجوزات العلمية، وتنوعت موضوعاتها في معظم العلوم، وخاصة علوم الدين واللغة، وبقية العلوم الأخرى، وذلك لتسهيل حفظها على المتعلمين، والتغني بها، واستذكارها وقت الحاجة، ومن أشهر الأرجوزات العلمية التي أبدعها علماء العرب نذكر «ملحة الإعراب»، وهي أرجوزة في النحو تقع في 374 بيتاً، وربما كانت أول أرجوزة في النحو العربي، و«ألفية ابن مالك» في النحو والصرف، وتتكون من ألف بيت على بحر الرجز، وأشهر أبياتها قوله:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم

واسم وفعل ثم حرف الكلم

وأرجوزة ابن سينا في الطب، ويعد ابن سينا من أشهر العلماء الذين وضعوا أرجوزات في العلوم، وله ست أرجوزات غيرها.

وغير ذلك من الأرجوزات العلمية التي تعد بالآلاف، ولها شروح كثيرة مما يجعلها كنزاً من كنور التراث العلمي لدى المسلمين، وقد غلّف بلغة أدبية قيمة.


منقول وله تكملة قريباًَ إن شاء الله

سعود الفطيماني
06-08-2008, 11:07 PM
ماشاء الله عليك يالهجس ..




شاكرلك هذا الموضوع المهم ..



لاهنت يالغالي

هاجوس
06-08-2008, 11:17 PM
حياك الله يابو جمعآن

العفو يالغالي

ومشكور على مرورك الجميل

ماعندمكوش وآآآصل

فلاح بن صالح
06-09-2008, 12:36 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مرحبابك أخوي

لله درك يالغالي موضوع جميل ومتكامل وتراثي أصيل

بارك الله فيك تسلم يمينك

تحياتي لك وتقديري

عبدالله بن ناصر العنقودي
06-09-2008, 12:44 AM
السلام عليكم

هج هج


عودة للإبداع مرة اخرى :)



موضوع متكامل بل بحث متكامل



بيض الله وجهك ..

تحيتي

ماجد بن فهد العنقودي
06-09-2008, 12:56 AM
اخويـ/ ابو الهوآجيـــس

موضوع متكآملــ ورآئع عن الترآثـ الآصيب


دآئما موآضيعك رآئعه واستمتع بقرآئتها

لآهنتــ

هاجوس
06-09-2008, 01:35 AM
الآخ الغالي

فلاح بن صالح


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مرحبابك أخوي

لله درك يالغالي موضوع جميل ومتكامل وتراثي أصيل

بارك الله فيك تسلم يمينك

تحياتي لك وتقديري



وعليكم السلام ورحمة الله وبركآته

مشكور على المرور وكلامك الطيب

وموافقة هواكم ورضاكم مكسب طال عمرك

لاعدمنآك

هاجوس
06-09-2008, 01:37 AM
الآخ عب عب << آبوووك يالدلع ((:



السلام عليكم

هج هج


عودة للإبداع مرة اخرى :)



موضوع متكامل بل بحث متكامل



بيض الله وجهك ..

تحيتي


وعليكم السلام والرحمة

مرور متكامل (:

بيض الله وجهك على مرورك الجميل طـعمرك

لاعدمنآك

هاجوس
06-09-2008, 01:38 AM
اخويـ/ ابو الهوآجيـــس

موضوع متكآملــ ورآئع عن الترآثـ الآصيب


دآئما موآضيعك رآئعه واستمتع بقرآئتها

لآهنتــ


آبو المجاجيد << آحس إنهآ غلط ((:


ولاتهون على مرورك الآكثر من رائع

بيض الله وجهك ومشكور طـعمرك

لاعدمنآك

علي بن تويم
06-11-2008, 11:36 AM
الاستاذ/ هاجوس

موضوع متكامل ومفيد


بيض الله وجهك

وتقبل مروري

لاهنت

د. فهاد السهلي
06-11-2008, 12:58 PM
السلام عليكم

اخي العزيز هاجوس

موضوع جميل .. من مميز .. دائم التميز ..

بيض الله وجهك

شكرا لك

والله يعطيك العافية

اخوكم
فهاد

السهلي 777
06-12-2008, 07:12 PM
جزاك الله خير على الموضوع الرايع

ناصر بن عبود
06-19-2008, 01:46 AM
موضوع ممتاز وثري وقديم في نفس الوقت


الله يعطيك العافيه ياهاجوس


سلمت ودمت



,,,

منصور الحمدان
06-19-2008, 03:47 AM
السلام عليكم

اخوي هاجوس

كلمات الشكر ماتوفيك

موضوع جيد ومفيد ومتكامل

راااااائــع دائماً

كفيت ووفيت

الله لايهينك

فهد بداح السهلي
07-04-2008, 05:12 PM
هاجوس
الف شكر على هذا الموضوغ الجميل
الذي ربما نكون بحاجه له في هذا العصر
تقبل خالص تحياتـي ،،،

الجنتل
07-04-2008, 07:17 PM
اخوي هاجوس

مشكور على الموضوع

الله يعطيك العافيه

ولاهنت

سهلي الرياض
07-05-2008, 03:55 AM
مشكووووووووور اخوي هاجوس على الموضوع المتكامل عن الحداء

اختيار قمة